مقالات, أسئلة, استفسارات, مواضيع مختلفة في التصوف الاسلامي


    التصوف شريعة وحقيقة وإصلاح باطن

    شاطر
    avatar
    wahid

    المساهمات : 13
    تاريخ التسجيل : 24/11/2009
    العمر : 41
    الموقع : http://wahid.ahlamountada.com/forum

    التصوف شريعة وحقيقة وإصلاح باطن

    مُساهمة  wahid في الجمعة يونيو 08, 2012 9:31 pm

    [center]تكمن أهمية التصوف - خاصة فى عصرنا الحالى- عند إندثار المعانى الروحية للإسلام ،وعدم فهم مقام الإحسان ،وبروز الإهتمام بالقوالب والرسوم حتى ظن البعض أن الإسلام جسد بلا روح ،أو قشر بلا لب ،وكان لهذا أكبر الأثر فى الإنحطاط والضعف للمسلمين حيث فقدوا ما كان عليه أسلافهم فى صدر الإسلام من إهتمام بالبواطن وتعمير القلوب قبل الظواهر لأنهم لا حظوا بعين البصيرة أن صفاء أعمال الجوارح نتيجة لتصفية القلوب من الشوائب ،فلم يصابوا بكدر فتحققوا بمقام الإحسان الذى هو "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك". فأشرقت عليهم شموس العرفان لتطهير القلوب قبل الأبدان بما تعلموه من النبى العدنان عليه أفضل الصلاة والسلام لمّا أخبرهم وهو الصادق المصدوق "أَلا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ القَلْبُ"(1).ولمّا قال عليه الصلاة والسلام "إنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ"(2)علموا أن الجوارح مطيات لنواياهم وسرائرهم التى لا يطلع عليها إلا رب البرية جل جلاله ، وأن ظواهرهم طوع بواطنهم.فأصلحوا نواياهم لأن بالنية تصلح اوتفسد الأعمال.
    يفهم من ذلك أن هناك أعمال تتعلق بالظواهر وأخرى بالبواطن فكان التشريع الإسلامى نسيجاً متجانساً منهما، فالتكاليف الشرعية التى تعبّد بها الإنسان فى خاصة ذاته ترجع إلى نوعين وإلى هذا أشار ابن خلدون "أحكام تتعلق بالأعمال الظاهرة ،وهى أحكام العبادات والعادات والمتناولات. وأحكام تتعلق بالأعمال الباطنة وهى الإيمان ،وما يتصرف فى اللب ،ويتلون به من الصفات ، أما المحمودة: كالعفة والعدل والشجاعة والكرم والحياء والصبر.وأما المذمومة كالعجب والكبر والرياء والحسد والحقد.وهذا النوع أهم من الأول عند الشارع ،وإن كان الكل مهما، لأن الباطن سلطان الظاهر المستولى عليه واعمال الباطن مبدأ فى الأعمال الظاهره"(3).
    تأييد ذلك مانبه عليه العالم الربانى ابن عطاء الله السكندرى فى لطائف المنن" فاعلم أن الفرائض التى أقتضاها الحق من عباده على قسمين ظاهرة وباطنة ،فالظاهرة الصلوات الخمس،والزكاة،وصوم رمضان،والحج،والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر،وبر الوالدين إلى غير ذلك.والباطنة :العلم بالله،والتوكل عليه،والثقة بوعده،والخوف منه،والرجاء فيه،إلى غير ذلك،وهى أيضاً تنقسم إلى أفعال وتروك،شئ إقتضى منك الحق ان تفعله،وشئ إقتضى منك ألا تفعله،وقد جمع ذلك فى آية واحدة. قال الله سبحانه:إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان (4) فهذا أمر طلب الله منك أن تفعله،ثم قال تعالى: وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ فهذا امر إقتضى منك أن تتركه".الى أن قال رحمه الله "وأما الفرائض الظاهرة فلاتنفك عن فروض باطنة،والفرائض الباطنة شروطها وعمدة لها،وبين الفرائض الظاهرة والباطنة ما بين الظاهر والباطن"(5).
    اعلم أن الظاهر كما له فقه وعلم فكذا حال الباطن له فقه وعلم ، وشيوخ يعملون على تنقية القلوب وليس الأمر متروكا سدى إذ لو كان كذلك لإدعى كل احد خلوه من العيوب وهذا نفسه من اكبر العيوب التى تحتاج لتنقية وتطهير،فقال أبو نصر السراج الطوسى بعد أن قال مثل الذى اوردناه سابقاً من أعمال الظاهر والباطن "ولكل عمل من هذه الأعمال الظاهرة والباطنة علم وفقه وبيان وفهم وحقيقة ووجد،ويدل على صحة كل عمل منها من الظاهر والباطن آيات من القرآن واخبار من الرسول صلى الله عليه وسلم علمه من علمه وجهله من جهله"(6).
    ولمّا كان العلم الظاهر هو تصحيح الأعمال ومعرفة فقهها فقد إكتفت به طائفة ولم تر غيره ،وإعترضوا على من قال بأن البواطن لها علم وهو فقه يدرس ويتعلم من الشيوخ المربين ،بل وإنقشت من هذه الطائفة طائفة أخرى تبدّع الصوفية دون تفرقة بمن تمسك بالكتاب والسنة وكلام اهل العلم وهؤلاء المتزيين بزيهم ولم ينالوا من مشروبهم،ومن ثمّ لبسوا على الناس بقولهم ولم يفهموا حقيقة القوم وماهم عليه من علم وإهتمام بالسرائر التى تطيعها الجوارح متى كانت الأولى مجوهرة بجواهر مرتبة الإحسان ومتمسكة بكتاب الله وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام. فقد تصدى لهم اهل العلم والعمل من شيوخ التربية والتصفية وردوا عليهم ردوداً تشفى الصدور وليس محل بسط هنا، ولكن يكفى ذكر طرف من اقوال هؤلاء العلماء العاملين لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
    إن علم الباطن من علم الشريعة وأحد رافديها إذ هو علم تصحيح الآفات والعلل وتنقية النفوس من الآثام،وقد ذكر الطوسى رحمه الله بعدما ذكر ان هناك قوماً إعترضوا على أهل التصوف لما رأوه من قولهم العلم الباطن وأنهم إحتجوا بقول أنه ليس لنا إلا ما جاء به الكتاب والسنة وقولهم كذلك لا معنى لقولكم ـ أى الصوفية ـ علم الباطن "فنقول وبالله التوفيق :إن علم الشريعة علم واحد،وهو إسم واحد يجمع معنيي الرواية والدراية،فإذا جمعتها فهو علم الشريعة الداعية للأعمال الظاهرة والباطنة،ولا يجوز أن يجرد القول فى العلم :أنه ظاهر أو باطن لأن العلم متى كان فى القلب فهو باطن فيه إلى أن يجرى ويظهر على اللسان،فإذا جرى على اللسان فهو ظاهر،غيرأنّا نقول أن العلم : ظاهر وباطن ،وهو علم الشريعة الذى يدل ويدعو إلى الأعمال الظاهرة والباطنة"(7).
    اعلم أن علم الباطن أوتصحيح القلوب يورث علم الحقيقة التى لا تخالف الشريعة كما سيتضح بمشيئة الله والحقيقة هى "أن تشهد بنور أودعه الله في سويداء القلب أي وسطه"(Cool.وقال عنها سلطان العلماء العز بن عبد السلام"والحقيقة لها شهود خارج عن طور هذا الوجود"(9).
    وقال الإمام ابن عجيبة "الشريعة عمل الجوارح ،والحقيقة معرفة البواطن،فالشريعة أن تعبده،والحقيقة أن تشهده،فالشريعة من وظائف البشرية،والحقيقة من وظائف الروحانية"(10).
    قال ابن البنا السرقسطى رحمه الله:-

    أليس قد جبلت العقول على الذي جاء به التنزيل
    هل ظاهر الشرع مع الحقيقة إلا كأصل الفرع في الحديقة
    والشرع جار وصحيح العقل كحذوك النعل معا بالنعل
    ما مثل المعقول والمنقول إلا كدر زاخر مجهول
    حتى إذا أخرجه الغواص لم يكن للدر إذن خلاص
    وإنما خلاصه في الكشف عن الغطاء حيث لا يستخف
    فالصدف الظاهر ثم الدر معقوله والجهل ذاك البحر
    وإنما المعقول في شكل الحروف كما يكون الدر في جوف الصدوف
    هل ظاهر الشرع وعلم الباطن إلا كجسم فيه روح ساكن
    قال العلامة ابن عجيبة فى شرح هذه الأبيات قولاً فى غاية الحسن والبيان،ويزيل الغشاوة عن العميان،وقد تكلم عن علم الظاهر والباطن وشبههما بمثال الجسد والروح فافهم مراد القوم "فمثال العلم الظاهر مع العلم الباطن كجسم فيه روح كامن،فالجسد لا يقوم بغير روح،والروح لا تظهر من غير جسد،وإذا خلى الجسد من غير الروح كان ميتاً ولا عبرة به، ولذلك كان من تشرع ولم يتصوف تفسق،لأن أعماله أشباح بلا ارواح،وإذا خلت الروح من الجسد بطنت ولم يظهر لها وجود،ولذلك كان من تحقق ولم يتشرع فقد تزندق"(11).

    الشريعة والحقيقة متصلتان
    قولهم شريعة وحقيقة لا يعنى عندهم- أى السادة الصوفية المحققين الربانيين - الإنفصال بل هما متلازمتان فالثانية لا تنفك عن الأولى،والأولى لكل أحد أما الثانية فليست إلا لمن إختصهم بالحضرات القدسية والمشاهدات الربانية بأنوار الولاية المحمدية لمجاهداتهم الروحانية فتصفو الروح من الأكدار وتتعلق بخالق الدار تاركة الدار فهى فى محل مهبط الأنوار والأسرار فتشاهد ما لم يشاهده من حجبته الأغيار لذا قال العز بن عبد السلام أن الحقيقة لها شهود خارج عن طور هذا الوجود، وليست هذه مرتبة سقوط التكاليف بل هى تحقيق لا ينفك عن تشريع.

    قال المرحوم الشيخ عبد الواحد يحى"ثم إن الشريعة والحقيقة متصلتان إتصالاً يجعل منهما مظهرين لشئ واحد أحدهما خارجى والآخر داخلى،أو أحدهما ظاهر والآخر باطن.لذلك كان ما يوجد فى الغرب الآن من جماعات تدعى أنها على النهج الصوفى وهى مع ذلك لا ترتكز على أدلة شريعة إلهية مجرد خداع ،ومن البديهى أن هذه الجماعات- ومن وجهة نظر الصوفية الصحيحة-ليست على شئ"(12).
    يتبين من ذلك أن هذا العلم لمّا إهتم بالروحانية لم ينكر التشريع بل جعله أساساً لمنهجيته لذا كان عند هولاء الأكابر أن ما يخالف الشرع من كتاب وسنة يضرب به عرض الحائط ويردّ على صاحبه،فهذا الإمام الجنيد سيد الطائفة يقول: "الطُّرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرَّسول صلى الله عليه وآله وسلم واتّبع سنته ولزم طريقته فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه".وقال أيضاً:"من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به فى هذا الأمر،لأن علمنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة"(13).
    لذا فقد جعل الصوفية التشريع مدخلاً للتحقيق حتى يظل من تحقق متمسكاً بالظاهر لا ينكره ولا يدعى سقوط التكاليف كما أدعى جهلة من إرتسم بحال الصوفية والتصوف منهم براء.
    قال الشيخ عبد الواحد يحى رحمه الله "ربما كانت العقيدة الإسلامية - من بين العقائد الموروثة – هى العقيدة التى يظهر فيها بوضوح التفرقة بين جزأين كاملين هما الظاهر والباطن أعنى: الشريعة وهى الباب الذى يدخل منه الجميع. الحقيقة ولايصل اليها إلا المصطفون الأخيار.
    وهذه تفرقة ليست تحكمية،وإنما تفرضها طبيعة الأشياء ذلك أن إستعداد الناس متفاوت،وبعضهم معدّ بفطرته لمعرفة الحقيقة.وكثيراً ما تجدهم يشبهون الشريعة والحقيقة بالقشر واللب ،أو الدائرة ومركزها" إلى ان قال "على أن علم الباطن لا يعنى فقط الحقيقة، وإنما يعنى كذلك السبل الموصلة إليها،أعنى الطرق التى تقود الإنسان من الشريعة إلى الحقيقة"(14).
    فالصوفى الحق عرف معنى حلاوة الإيمان،وسرّ المناجاه،والخلوص من رق الأغيار،وشهود المنعم ،والمراقبة فى الحركات والسكنات والخطرات ،فعلم روح الإسلام وكيف كان الصحابة يتعاملون، وكيف بحث عن ما خفى عليهم من سرائرهم وإصلاحها حتى لا يكون فيها مدخل لشيطان ولا نفاق فكانوا ربانيين.ولمّا أهمل المسلمون هذه المعانى أصبحنا فى إنحطاط وقد أشار الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله إلى ذلك بقوله " وما وصل المسلمون الى هذا الدرك من الإنحطاط والضعف إلا حين فقدوا روح الإسلام وجوهره،ولم يعد فيهم إلا شبحه ومظاهره. لهذاترى العلماء العاملين والمرشدين الغيورين ينصحون الناس بالدخول مع الصوفية وإلتزام صحبتهم كى يجمعوا بين جسم الإسلام وروحه،وليتذوقوا معانى الصفاء القلبى والسمو الخلقى وليتحققوا بالتعرف على الله تعالى المعرفة اليقينية،فيتحلوا بحبه ومراقبته ودوام ذكره"(15).

    هذا،ولتعلم علم اليقين أن الصوفية اهل علم وعمل فإنهم أول ما يعلمون أولادهم منذ نعومة أظافرهم أن الحقيقة لاتنفصل عن الشريعة،وأن من إحتج بالباطن وترك الظاهر فيبتر بسيف الشريعة،فلايحتج بشئ من الباطن يخالف الظاهر.
    وقد تعلمت من شيخى أبياتاً شرح فيها والده رحمه الله أن الباطن لا يخالف الظاهر ولا يحتج بالأول وأن من فعل ذلك أمثال الحلاج فقد قتل بسيف الشريعة :

    ومـن غدا بباطــن يحتج فإنه فــــى باطـن يلـــــج
    فما لغير الظاهر إنتهاج شرعاً ألم يقتل به الحلاج


    وقد شرح هذا النظم بقوله "الله تعالى تعبدنا بالشرع الظاهر فمن ادعى أنه له باطن يخالف ظاهره فهو كافر.فلا يصح أن ينتهج الإنسان فى سلوكه وتعبده غير الشريعة الظاهرة،وإلا قتل بسيوفها الباترة"وذكر قول الشيخ زاهر الجزائرى : "يكفر من زعم أن للشريعة باطناً يخالف ظاهرها هو المراد بالحقيقة ،فأول النصوص القطعية وحملها على غير ظواهرها كمن زعم ان المراد بالملائكة القوى العقلية وبالشياطين القوى الوهمية"(16)وقد أفتى العلامة الدكتور على جمعه بذلك أى بكفر من قال بأن الباطن يخالف الظاهر(17).
    وعلمنى شيخى أيضاً

    ومن يقل ولم يجن سقطا تكليفه فإنه قد سقطا

    وشرح ذلك بقوله رضى الله عنه قال الجنيد :الطرق كلها مسدودة إلا على من إقتفى أثر النبى صلى الله عليه وسلم وقال أيضاً لرجل ذكر المعرفة وقال :أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله عز وجل :إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال وهو عندى عظيمة والذى يسرق ويزنى أحسن حالاً من الذى يقول هذا "وذكر قول الإمام الغزالى" لوزعم زاعم ان بينه وبين الله حالة أسقطت التكاليف فلاشك فى كفره"(18).
    فالشيخ هنا يشير إلى أن لا ظاهر يخالف الباطن،ولا يسقط التكليف بحال من الأحوال إلا عمن حددهم الشرع،وإختلف القول فيمن إحتج بالباطن وخالف الظاهر بين تبديع وتفسيق وكفر والأغلب قال بهذه الأخيرة إذ لم يدع مثل هذه الحالة من الدعاوى إلا الذين أخذوا الطريق بأنفسهم لا عن مربين،وحتى أن المجذوب فى مصطلح الصوفية طالما عنده إفاقة يقضى ما عليه ولا تسقط التكاليف تماماً،والكمل من المشايخ يعلمون أولادهم فى بدايتهم هذه الطرق من مداخل الشيطان وضرورة عرض أفعالهم على الكتاب والسنة لذا قيل إن خالف كشفك الكتاب والسنة فأضرب به عرض الحائط فليس إلا الكتاب والسنة المحمدية.
    فالحقيقة هى "شهود الحق فى تجليات المظاهر.فالشريعة أن تعبده والطريقة أن تقصده،والحقيقة أن تشهده،فلمّا تجلى الحق بين الضدين فتجلى بمظاهر عظمة الربوبية فى قوالب العبودية،ظهرت الشريعة والحقيقة،فشهود العظمة من حيث هى حقيقة،والقيام بآداب القوالب عبادة وعبودية وشريعة"(19).
    والمؤيد لذلك قول الإمام العز بن عبد السلام "فالمراد من الحقيقة والشريعة إقامة العبودية على الوجه المراد منك،وكل شريعة لا حقيقة لها فهى عاطلة وكل حقيقة لا شريعة معها فهى باطلة،ومصداق ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لحارثة " كيف أصبحت يا حارثة ؟ قال حارثة: أصبحت مؤمنا حقاً!قال انظر يا حارثه فإنَ لكل قول حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟!قال: يا رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا؛ فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني بعرش ربي بارزاً، وكأني بأهل الجنة يتزاورون فيها...".

    فالشريعة حق والحقيقة حقيقتها،فالشريعة القيام بالأوامر والحقيقة شاهدة الأمر،والحقيقة والشريعة يجمعهما كلمتان وهو قوله تعالى:إياك نعبد وإياك نستعين(20).فإياك نعبد شريعة،وإياك نستعين حقيقة،ثم اعلم أن العلم علمان علم الظاهرللشريعة وعلم الباطن للحقيقة"(21).
    قال الفضيل بن عياض: العلم علمان: علم باللسان وعلم بالقلب فأما العلم بالقلب فذاك العلم النافع و أما العلم باللسان فذاك حجة الله على خلقه. واسنده الربيع في مسنده منقطعا عن جابر بن زيد عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:" العلم علمان علم باللسان فذلك حجة الله على ابن آدم وعلم بالقلب فذلك العلم النافع"(22).
    وقال سلطان العلماء فى موضع آخر " فالشريعة إقامة بوظائف العبودية والحقيقة مشاهدة الربوبية،فالشريعة مجاهدة والحقيقة مشاهدة،ولا تباين بينهما إذ هما متلازمان.إذ الطريق إلى الله سبحانه لها ظاهر وباطن فظاهرها الشريعة وباطنها الحقيقة فبطون الحقيقة فى الشريعة كبطون الزبد فى لبنه"(23).

    ولأن بالمثال تقرب المعانى لذوى الأفهام فقد ذكره العلامة الدكتور على جمعه فى كتابه الطريق إلى الله "والظاهر فى الماء مثلاً أن الذى أمامنا هو الماء، ثم عند الحقيقة تبن أنه مكون من غازين : من هيدروجين و أوكسجين ،أحدهما يشتعل والآخر يساعد على الإشتعال ،فوصلنا إلى شئ عجيب :هذا الذى أمامنا ماء أو نار؟!!،الظاهر انه ماء،والحقيقة أنه نار ،بعض القاصرين فهموا ان هذا تعارض ،والصوفية لم يفهموا هذا،بل فهموا أن الشرع الشريف إنما جاء لضبط الظاهر والباطن معاً ،وأن الظاهر مهم، وأن تاركه كافر ،ولكن هذا لايمنع أن تكون هناك حقيقة ،وأن هذه الحقيقة نتعمق فيها،ونكتشفها شيئاً فشيئاً ،وكلها لا تكر على الظاهر بالبطلان،فلو جاء واحد وقال:أنا لا أتوضأ ....فقلنا له لماذا لا تتوضأ؟!فأشار إلى الماء وقال :لأن هذا نار،وأنا اخشى على جلدى أن يحترق..فإنا نعده من المجانين،لأن هذا ماء وليس ناراً،وإن كان هو من نار،....."(24).
    فكل مشايخ أهل الطريق إلى الله قالوا يتلازمهما وما خالف إلاالمضلّون الذين فرحوا بظاهر الطريق ولم يحفظوا آدابه التى اولها التمسك بالشرع والعمل بما جاء به التنزيل،فهو مبنى على تطهير النفوس ، فعلم التصوف علم معرفة آفات القلوب والنفوس من تكبر وحقد وحسد،لذا تبين أنه روح الإسلام فبعد المعالجة لأمراض الباطن وهى التخلية تتم عملية التحلية بالفضائل فتشرق شمس المعرفة الربانية ،وأقمار التوحيد على قلوب العبيد،فيتجلّى لهم الله بلا أين ولا كيف،تجلى فيه معنى الربوبية والعبد يرى نفسه فى مقام العبودية،فيعرف الله ويعرف نفسه فلا ينشغل بغيرالله ،فيرى فى نفسه الضعف ويرى القوة لله ويرى فى نفسه الفناء ويرى الديمومية لله ،فهو لله وبالله ومع الله ولايرى إلا الله ،وهو بين شهود جمال وشهود جلال.

    ولله در من قال(25):
    ويبدو بأوصاف الجمال فلايرى برؤيته شيـــــــــــئاً ولا ردى
    فلمّا تجلى لى على كل شاهد وأشهدنى بالحق فى كل مشهد
    تجنّبت تقييد الجمال ترفعاً وطالعت أسرار الجمال المبدّد
    ففى كل مشهود لقلبى شاهد وفى كل مسموع له لحن معبد
    وصار سماعى مطلقاً منه بدؤه وحاشى لمثلى من سماع مقيد
    أراها بأوصاف الجمال جميعها كمنحة مهجور ومنحة مسند

    وقيل أيضاً(26):
    وحرمة الودّ مالى عنكم عوض وليس لى فى سواكم بعدكم غرض
    ومن جنونى بكم قالوا بها مرض فقلـــت لا زال عنــى ذلك المرض

    وقد أسردت لك ما منّ الله به على عبده الفقير لتتأكد أننا فقدنا روح الإسلام اللهم إلا فئة تدعو إلى الله على بصيرة،فئة تطهرت من الآثام والعيوب وبلغوا حقيقة الإيمان وأنتهجوا مناهج الإحسان،وفى هذا قال ابن البنا السرقسطى فى مباحثه الأصلية:
    قد رفضوا الآثام والعيوب وطهروا الأبدان والقلوب
    وبلغوا حقيقة الإيمـــــــان وإنتهجوا مناهج الإحسان
    فقال العلامة ابن عجيبة قدس الله سره:"وقوله وطهروا الأبدان والقلوب تفسير لما قبله على طريق اللفظ والمعنى وطهروا الأبدان من الآثام والذنوب ،وطهروا القلوب من المساوئ والعيوب ،فلمّا حصل لهم هذا التطهير المجيد لاح لهم قمر التوحيد فأسلموا الأمر إلى مولاهم ورجعوا إلى من قد تولاهم عملاً بقوله تعالى ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور(27)،فلمّا تحققوا بذلك وقفوا فى رياض الإحسان وأشرقت عليهم شموس العرفان، وأضاءت لهم أنوار المواجهة والعيان"(28) .
    المصطلح الذى إستعمله الصوفية لكل مقام فبفهمه يزيل الإشكال وتنجلى عرائس المعانى من مكنونات أسرار الألفاظ فقال:" واعلم أن دقائق علم التصوف لو عرضت معانيها على الفقهاء, بالعبارة التي ألفوها في علومهم لاستحسنوها كل الاستحسان وكانوا أول قائل بها،وإنما ينفرهم منها إيرادها بعبارة مستغربة لم يألفوها, ولهذا قال بعضهم: الحقيقة أحسن ما تعلم، وأقبح ما يقال. وأنا أورد لك مثالا تعرف (منه) صحة ذلك.
    قال في منازل السائرين: حقيقة التوبة ثلاثة أشياء: تمييز الثقة من العزة, ونسيان الجناية،والتوبة من التوبة أبدا. فإذا سمع الفقيه هذا اللفظ, وهو "التوبة من التوبة" استغربه جدا، وقال: كيف يتاب من التوبة, وهي عمل صالح, وإنما يتاب من المعاصي.
    وتقرير معناه: أن العبد إذا كمل في رجوعه إلى الله لم يلتفت إلى أعماله, ولم يسكن إليها بقلبه ،توبة كانت أو غيرها، فيتوب من سكونه إلى توبته.
    ويزاد إيضاحا أن التوبة وإن كانت من كسب العبد فهي من خلق الله وتوفيقه، فهو التائب عليه، ولو لم يتب عليه لما تاب،قال تعالى: ثم تاب عليهم ليتوبوا فأي صنع للعبد في التوبة أو غيرها،وهو الذي وفقه الله لفعلها؟ فرؤية العبد التوبة من نفسه ذنبه يستغفر منه، بل عليه أن يشهد محض منة الله عليه بها، وتوفيقه لها، ويلغي نفسه أصلا عن درجة الاعتبار. وهذا مقام الفناء في التوبة،وهي أول منازل السائرين, ويقاس به مقام الفناء في التوحيد، فلا يشهد في توحيده صنعا،بل محض منة الله عليه به وتوفيقه.
    وهذا المعنى إذا عرض على الفقيه بهذه العبارة المألوفة كان أول قائل به وناصر له،لأن الفقيه السني يقاتل على إثبات الأفعال لله ونفيها عن العبد، مخالفة للمعتزلة والقدرية ونحوهم، ممن زعم أن العبد يخلق أفعاله".

    فالتصوف ليس مجرد أوراد وأذكار بل حالة من الصفاء النفسى المنقى من الشوائب،فتراه على جوارحك وأركانك علم وعمل سمو قلبى وروحى،ولهذا أشار الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله "فالتصوف هو الذى اهتم بهذا الجانب القلبى بالإضافة إلى ما يقابله من العبادات البدنية والمالية،ورسم الطريق العملى الذى يوصل المسلم لأعلى درجات الكمال،الإيمانى والخلقى،وليس - كما ظن الناس – قراءة أوراد وحلق ذكر فحسب ،فلقد غاب عن أذهان الكثيرين أن التصوف منهج عملى كامل ،يحقق إنقلاب الإنسان من شخصية منحرفة إلى شخصية مسلمة مثالية متكاملة ،وذلك من الناحية الإيمانية السليمة والعبادة الخالصة والمعاملة الصحيحة الحسنة،والأخلاق الفاضلة،ومن هنا تظهر اهمية التصوف وفائدته ،ويتجلّى لنا بوضوح أنه روح الإسلام وقلبه النابض ،إذ ليس هذا الدين أعمالاً ظاهرية وأموراً شكلية فحسب لا روح فيها ولا حياة"(29) .

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس مارس 30, 2017 2:43 am