مقالات, أسئلة, استفسارات, مواضيع مختلفة في التصوف الاسلامي


    سيرة الباز الأشهب سيدنا ومولانا الشيخ عبد القادر الجيلاني

    شاطر
    avatar
    وحيد سكيكدى

    المساهمات : 35
    تاريخ التسجيل : 06/12/2012
    العمر : 42

    سيرة الباز الأشهب سيدنا ومولانا الشيخ عبد القادر الجيلاني

    مُساهمة  وحيد سكيكدى في الخميس أغسطس 21, 2014 5:28 pm

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الإمام عبد القادر الجيلاني ( رضي الله عنه )
    عصره ، حياته ، صفته ، تأثيره
    دراسته ونبوغه :
    ولد الشيخ عبد القادر سنة 470 هـ في جيلان ، ينتهي نسبه إلى الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما ، دخل بغداد سنة 488 هـ وله ثماني عشرة سنة ، وهي السنة التي خرج فيها أبو حامد الغزالي من بغداد تاركا لتدريس النظامية ، زاهداً في الدنيا طالبا للمعرفة واليقين ، وأقبل إلى العلم بهمة عالية وجد وحرص ، ولم يعقه شغفه بالعبادة والاشتغال بالله عن الاشتغال بالعلم ، ولم يرض بالقناعة في العلم والاقتصار على القليل الذي لا بد منه .
    قرأ العلوم السائدة في عصره على أساتذتها الكبار والمبرزين فيها وأتقنها ومهر فيها ، وحصلت له فيها اليد الطولى ، ومن شيوخه أبو الوفاء ابن عقيل ، ومحمد بن الحسن الباقلاني ، وأبو زكريا التبريزي ، وأخذ الطريقة عن الشيخ أبي الخير حماد بن مسلم الدباس، وأكملها عند القاضي أبي سعيد المخرمي وحصلت له الإجازة عنه .

    الإصلاح والإرشاد :
    عني الشيخ عبد القادر – بعدما أتم دراسته العلمية والروحية بالإصلاح وإرشاد الخلق إلى الحق ، وجمع بين الرئاسة الدينية والرئاسة العلمية ، وكان أبو سعيد قد بنى مدرسة لطيفة بباب الازج ، ففوضت إليه ، وتكلم مع الناس بلسان الوعظ . وظهر له صيت ، فضاقت مدرسته بالناس من ازدحامهم على مجلسه: فجلس للناس عند السور أياما ، ثم وسعت بما أضيف إليها من المنازل والأمكنة التي حولها ، وبذل الأغنياء في عمارتها أموالهم ، وعمل الفقراء فيها بأنفسهم ، واكتملت المدرسة في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة ، وصارت منسوبة إليه ، وتصدر بها للتدريس
    والفتوى والوعظ . مع الاجتهاد في العلم والعمل ، وجمع الله قلوب عباده على حبه ، والهج ألسنتهم بالثناء عليه ، وانتهت إليه رئاسة العلم والتربية والإصلاح والإرشاد والدعوة إلى الله بالعراق ، وقصده الناس من الآفاق ، ورزقه الله من الوجاهة والقبول ما أزرى بوجاهة الملوك والسلاطين ، وهابه الخلفاء والملوك والوزراء فمن دونهم ، قال الشيخ " موفق ابن قدامه " صاحب المغني : " لم أر أحدا يعظم من أجل الدين أكثر منه " . وكان يحضر مجالسه في بعض الأحيان الخليفة والملوك والوزراء فيجلسون متأدبين خاشعين . أما العلماء والفقهاء فلا يأتي عليهم حصر، وقد عد في بعض مجالسه أربعمائة محبرة .

    صفته وأخلاقه :
    كان من أخلاقه أن يقف مع جلالة قدره مع الصغير والجارية ويجالس الفقراء ويفلي لهم ثيابهم ، وكان لا يقوم قط لأحد من العظماء وأعيان الدولة ، ولم يلم قط بباب وزير ولا سلطان وكان إذا جاءه خليفة أو وزير يدخل الدار ثم يخرج حتى لا يقوم له وقد اتفقت الألسنة وشهادات المعاصرين على حسن خلقه وعلو همته ، وتواضعه لله تعالى ، وسخائه وإيثاره لغيره ، قد وصفه أحد رجال عصره " حرادة " وقد عاش طويلا ، وصحب كثيرا من الشيوخ الكبار، فقال:
    " ما رأت عيناي أحسن خلقا ، ولا أوسع صدرا، ولا أكرم نفسا ، ولا ألطف قلبا ، ولا أحفظ عهدا وودا من سيدنا الشيخ عبد القادر، ولقد كان – مع جلالة قدره ، وعلو منزلته ، وسعة علمه – يقف مع الصغير ، ويوقر الكبير ، ويبدأ بالسلام ، ويجالس الضعفاء ، ويتواضع للفقراء ، وما قام لأحد من العظماء ولا الأعيان ولا ألم بباب وزير ولا سلطان".
    وقال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف البرزالي الاشبيلي:
    " كان مجاب الدعوة ، سريع الدمعة ، دائم الفكر ، كثير الذكر رقيق القلب ، دائم البشر ، كريم النفس ، سخي اليد ، غزير العلم ، شريف الأخلاق ، طيب الأعراف ، مع قدم راسخ في العبادة والاجتهاد.
    وقال مفتي العراق ، محي الدين أبو عبد الله محمد بن حامد البغدادي: " كان أبعد الناس عن الفحش ، أقرب الناس إلى الحق . شديد البأس إذا انتهكت محارم الله عز وجل ، لا يغضب لنفسه ، ولا ينتصر لغير ربه ".
    كان له غرام بإطعام الطعام ، والإنفاق على ذوي الحاجة والعاهة ، قال العلامة " النجار " في تاريخه : قال الجبالي قال الشيخ عبد القادر " فتشت الأعمال كلها ، فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام ، ولا أشرف من الخلق الحسن ، أود لو كانت الدنيا بيدي أطعمتها الجائع" وقال : قال لي : كفى مثقوبة لا تضبط شيئا ، لو جاءني ألف دينار لم تبت عندي" وقال صاحب قلائد الجواهر : " كان رضي الله عنه يأمر كل ليلة بمد البساط ، ويأكل مع الأضياف ويجالس الضعفاء، ويصبر على طلبة العلم ، لا يظن جليسه أن أحدا أكرم عليه منه ، ويتفقد من غاب من أصحابه ، ويسأل عن شأنهم ، ويحفظ ودهم ، ويعفو عن سيئاتهم ، ويصدق من حلف له ، ويخفي علمه فيه

    إحياء القلوب الميتة :
    اتفق المؤرخون على كثرة كرامات الشيخ عبد القادر ، قال الشيخ موفق الدين صاحب المغني: " لم أسمع عن أحد يحكى عنه من الكرامات أكثر مما يحكى عن الشيخ عبد القادر " وذكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام : " أنه لم تتوافر كرامات أحد من المشائخ إلا الشيخ عبد القادر ، فإن كراماته نقلت بالتواتر"
    وكذلك قال شيخ الإسلام ابن تيميه.
    ولكن من أجل كراماته إحياء موات النفوس والقلوب ، وزرع الإيمان وخشية الله وحبه فيها ، واشعال مجامر القلوب التي انطفأت من جديد ، فقد أعاد الله به إلى قلوب لا يحصيها إلا الله حياة وإيمانا ، وهبت بمواعظه وتربيته رياح من الإيمان عاشت بها قلوب ميتة ، ونشطت بها نفوس خامدة ، وانطلقت في العالم الإسلامي موجة من الإيمان الجديد ، والروحانية القوية ، والأخلاق الفاضلة ، والتقوى ، وقد هيأ الله له الزعامة الدينية والروحية في العالم الإسلامي ، فاختار له بغداد – عاصمة المملكة العباسية وقلب العالم الإسلامي – وجاءته بغداد – وهي من أكبر مدن العالم – تسعى ، وازدحم الناس عليه ازدحاما كبيرا، قال : " كان يجلس عندي رجلان وثلاثة يسمعون كلامي ، ثم تسامع بي الناس وازدحم علي الخلق ، فكنت أجلس في المصلى بباب الحلبة ، ثم ضاق على الناس ، فأخرجوا الكرسي إلى داخل السرر بين التنانير ، وكان الناس يجيئون في الليل على الشمع والمشاعل ، يأخذون لهم مواضع ، ثم ضاق على الناس الموضع ، فحمل الكرسي إلى خارج البلد وجعل في المصلى ، وكانوا يجيئون على الخيل والبغال والحمير والجمال ، ويقفون ما دار المجلس كالسرر، وكان يحضر المجلس نحو من سبعين ألفا"
    وكان لمجالسه تأثير عظيم ونفع كثير ، قال الشيخ عمر الكيساني: " لم تكن مجالس سيدنا الشيخ عبد القادر رضي الله عنه تخلو ممن يسلم من اليهود والنصارى ، ولا من يتوب من قطاع الطريق ، وقاتلي النفس ، وغير ذلك من الفساق ولا ممن يرجع عن معتقد سيء " وقد كان يشعر بذلك ويحمد الله عليه ، ويفضله على ما كان يهواه من الخلوة بالله ، والانقطاع عن الخلق والاشتغال بالعبادات ، قال الجبائي : قال لي سيدنا الشيخ: " أتمنى أن أكون في الصحاري والبراري كما كنت في الأول ، لا أرى الخلق ولا يرونني " ثم قال : أراد الله عز وجل مني منفعة الخلق ، فإنه قد أسلم على يدي أكثر من خمسة آلاف من اليهود والنصارى ، وتاب على يدي من العيارين والمسالحة أكثر من مائة ألف ، وهذا خير كثير
    وكان الشيخ يعتقد – بحق – أنه مكلف بذلك مأمور به يقول في المجلس :
    " سبحان من ألقى في قلبي نصح الخلق ، وجعله أكبر همي ، إني ناصح ولا أريد على ذلك جزاء، أجرتي قد حصلت لي عند ربي عز وجل ، ما أنا طالب دنيا ، ما أنا عبد الدنيا ولا الآخرة ، ولا ما سوى الحق عز وجل ، ما أعبد إلا الخالق الواحد الأحد القديم ، فرحي بفلاحكم ، وغمي لهلاككم"
    نقلا عن منتديات روض الرياحين: ملفات العضو: بنت الرفاعي
    من كتاب:
    رجال الفكر والدعوة في الإسلام - لأبي الحسن علي الحسني الندوي – الطبعة الخامسة 1977 – ص252-284.


    الإستقامة والتحقيق :
    وقد اتجه التصوف في القرن الخامس اتجاها فيه الاستقلال الذي قد ينتهي إلى الانفصال عن الشريعة ، وأصبح – أو كاد يصبح – مؤسسة أو مدرسة قائمة بنفسها ، لا تتصل بالشريعة إلا اتصالا شكليا، وشاعت شطحات الصوفية، ودعاوي الوصول إلى الحقيقة والنهاية التي تسقط فيها الفرائض والتكاليف الشرعية ، وظهرت نزعة " وحدة الوجود" وبدأت الفوضى في بعض زوايا الصوفية ، فكان الشيخ عبد القادر من أكبر المعارضين لهذا الاتجاه الثائر ، ومن أكبر الدعاة إلى إخضاع " الطريقة " للشريعة ، والتمسك بالكتاب والسنة وتحكيمها في جميع الأحوال والأقوال والأعمال ، وقد استطاع بقوة شخصيته وبإخلاصه وعلمه القوي ، أن يمنع هذا الاتجاه الخطير ، ويرجع بالتصوف إلى ما كان عليه في العصر الأول ،
    قال الشعراني: " كانت طريقته التوحيد وصفا وحكما وحالا ، وتحقيقه الشرع ظاهرا وباطناً "

    وكان رضي الله عنه يقول لأصحابه : " اتبعوا ولا تبتدعوا ، وأطيعوا ولا تخالفوا !
    ومن أقواله رحمه الله : " إن انخرم فيك شيء من الحدود فاعلم أنك مفتون ، قد لعب بك الشيطان ، فارجع إلى حكم الشرع والزمه ، ودع عنك الهوى ، لأن كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي باطلة "
    ويقول حاثا على التمسك بالكتاب والسنة والتزام إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم:
    " كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة ، طر إلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة ، ادخل عليه ويدك في يد الرسول صلى الله عليه وسلم ، اجعله وزيرك ومعلمك ، دع يده تزينك
    وتمشطك وتعرضك عليه
    ويقول منكرا على من يعتقد أن التكاليف الشرعية تسقط عن السالك في حال من الأحوال : " ترك العبادات المفروضة زندقة ، وارتكاب المحظورات معصية ، لا تسقط الفرائض عن أحد في حال من الأحوال"

    وقد كان جبلاً راسياً في الاستقامة على الشريعة، وقد وصل بكمال إتباعه وعلمه الراسخ ، وتأييد الله سبحانه وتعالى ، حيث صار يميز بين الحق والباطل ، والنور والظلمة ، والموارد الإلهية والطوارق الشيطانية ، وقد كان أشد الناس إيمانا – كما قدمنا – بأن الأحكام الشرعية لا تتبدل ، ولا ناسخ لها بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وان من ادعى نسخها أو تعطيلها فقد كفر وكان مطية الشيطان ،
    وقد عرضت له محن ثبت فيها ، لعلمه الراسخ وبصيرته النافذة،

    يقول : تراءى لي نور عظيم ملأ الأفق ، ثم تدلى فيه صورة تناديني : يا عبد القادر ! أنا ربك ! وقد حللت لك المحرمات ، فقلت ، أخسأ يا لعين ، فإذا ذلك النور ظلام ، وتلك الصورة دخان ، ثم خاطبني : يا عبد القادر ، نجوت مني بعلمك بأمر ربك ، وفقهك في أحوال منازلاتك ، ولقد أضللت بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطريق ، فقلت لله الفضل ، فقيل له : كيف علمت أنه شيطان ؟ قال : بقوله قد حللت لك المحرمات

    التفويض والتوحيد :

    كانت قدمه رحمه الله على التفويض والموافقة مع التبري من الحول والقوة . كان الشيخ عدي بن مسافر يقول : " كان الشيخ عبد القادر رضي الله عنه طريقته الذبول ، تحت مجاري الأقدار بموافقة القلب والروح " . وقد جاهد في ذلك نفسه مجاهدة شديدة ،

    يقول في مقالة : " جاهدت نفسي في ترك الاختيار والإرادة ، حتى حصل لي ذلك: فصار القدر يقودني ، والمنة تنصرني، والفعل يحركني ، والغيرة تعصمني ، والإرادة تطيعني ، والسابقة تقدمني ، والله عز وجل يرفعني

    وقد تجلى هذا الذوق وهذا الاتجاه في كلامه واضحا قويا ، وقد وصف رجلا تجرد عن إرادته واختياره ،واستسلم للقضاء وإرادة الله سبحانه وتعالى، - وإنما يعني نفسه – يقول رحمه الله " إذا ابتلى العبد ببلية تحرك أولاُ في نفسه بنفسه ، فإن لم يتخلص منها ، استعان بغيره من الخلق : كالسلاطين ، وأرباب المناصب ، وأبناء الدنيا ، وأصحاب الأموال ، وأهل الطب في الأمراض والأوجاع ، فإن لم يجد في ذلك خلاصه ، رجع حينئذ إلى الخالق ، ثم إذا لم يجد عند الخالق نصرة، استطرح بين يديه مديما للسؤال والدعاء والتضرع والثناء ، والافتقار مع الخوف منه والرجاء ، ثم يعجزه الخالق عز وجل عن الدعاء ولم يجبه ، حتى ينقطع عن جميع الأسباب، فحينئذ ينفذ في القدر ، ويفعل الفعل ، فيفنى العبد عن جميع الأسباب والحركات ، فيبقى روحا فقط ، فلا يرى إلا فعل الحق عز وجل ، فيصير موقنا موحدا ضرورة ، ويقطع أن لا فاعل على الحقيقة إلا الله، ولا محرك ولا مسكن إلا الله ، ولا خير ولا شر ، ولا ضر ولا نفع ، ولا عطاء ولا منع ، ولا فتح ولا غلق ، ولا موت ولا حياة ، ولا عز ولا ذل ، ولا غني ولا فقر إلا بيد الله ، فيصير حينئذ كالطفل الرضيع في يد الظئر ، والميت الغسيل في يد الغاسل ، والكرة في صولجان الفارس، يقلب ويغير ويبدل ويكون ، ولا حراك به في نفسه ولا في غيره ، هو غائب عن نفسه في فعل مولاه ، فلا يرى غيره ، أن أبصر فلصنعه أبصر ، وأن سمع وعلم فلكلامه سمع ، ولعلمه علم ، وبنعمته تنعم ، وبقربه سعد ، وبتقربه تزين وتشرف ، وبوعده طاب وسكن ، وبه اطمأن وبحديثه أنس ، وعن غيره استوحش ونفر ، والى ذكره التجأ وركن ، وبه عز وجل وثق، وعليه توكل ، وبنور معرفته اهتدى وتقمص ، وتسربل"

    ويقول في مقالة أخرى : " العبد إذا عرف الله عز وجل سقط الخلق من قلبه ، وتناثروا عنه كما يتناثر الورق اليابس من الشجر ، فيبقى بلا خلق في الجملة " يعمي عن رؤيتهم ، ويصم عن سماع كلامهم من حيث قلبه وسره


    شفقته على الخلق :
    وقد كان – رحمة الله عليه – عطوفا ، شفيقا ، رفيقا بالأمة المحمدية وعامة الناس ، دائم الدعوة والدعاء لهم ، يرق قلبه ، ويرثى لضعفائهم والمشتغلين بما لا ينفعهم في الآخرة ، ناصحا لكل طبقة ، محبا للخير له ، يحرص على إسعادها وإخراجها من الظلمات إلى النور ،
    يقول مخاطبا لمستمعيه : " يا خلق الله ! إني أطلب صلاحكم ومنفعتكم في الجملة أتمنى غلق أبواب النار وعدمها بالكلية ، وأن لا يدخلها أحد من خلق الله عز وجل ، وفتح أبواب الجنة ، وان لا يمنع من دخولها أحد من خلق الله عز وجل، وإنما تمنيت هذه الأمنية لإطلاعي على رحمة الله عز وجل وشفقته على خلقه ، قعودي لمصالح قلوبكم بتهذيبها ، لا لتغيير الكلام وتهذيبه، لا تهربوا من خشونة كلامي ، فما رباني إلا الخشن في دين الله عز وجل ، كلامي خشن ، وطعامي خشن ، فمن هرب مني ومن أمثالي لا يفلح".

    ويقول في مناسبة أخرى ، وهو يصف الدعاة إلى الله ، والعلماء الربانيين ، ورحمتهم بخلق الله ، وحرصهم على خلاصهم وسعادتهم: " كيف لا يرحمون العصاة وهم موضع الرحمة ، مقام التوبة والاعتذار ، العارف خلقه من أخلاق الحق عز وجل ، فهو يجتهد في تخليص العاصي من يد الشيطان والنفس والهوى ، إذا رأى أحدكم ولده أسيراً في يد كافر، أليس يجتهد في تخليصه ، فهكذا العارف، الخلق جميعهم له كالأولاد"

    ويحكي – رحمه الله – حال من خصه الله بهذه الشفقة العامة والنصح الدائم كمن يدخل في سوق ، وإنما يصف نفسه الكريمة : " منهم من إذا دخل السوق، امتلأ قلبه بالله لأهله ، فتشغل الرحمة لهم عن النظر إلى ما لهم بين أيديهم ، فهو من حين دخوله إلى حين خروجه في دعاء واستغفار ، وشفاعة لأهله ، وشفقة ورحمة ، فقلبه محترق عليهم ولهم ، وعينه مغروقة لأجلهم ، ولسانه في ثناء وحمد لله عز وجل بما أولى الكافة من نعمه وفضله".

    دعوته للإسلام :
    إن وجود الشيخ عبد القادر الجيلاني في قوة إيمانه ، وقوة عمله ، وقوة دعوته ، وسمو سيرته وأخلاقه ، وزهده في الدنيا في عصر المادية وعصر الغفلة والانحطاط ، كان دليلا على خلود الإسلام وصلاحيته للبقاء ، وصلاحيته للإنتاج، وعلى أن شجرته لم تنقطع – ولن تنقطع – عن الأثمار والازدهار ، فإذا كان الإسلام دين عقيدة وإيمان ، وعمل وجهاد ، ودعوة وإصلاح ، - وهو كذلك – فلا بد أن يظهر في مختلف أعصاره وأمصاره رجال عبقريون ، أقوياء في إيمانهم ، أقوياء في عملهم ، أقوياء في دعوتهم ، يمثلون سيرة الأنبياء وخلفائهم بالحق في عصرهم ، وكان وجوده ، ووجود من تخرج على يديه ، ونشأ في تربيته – من أهل الصلاح والتقوى ، والصدق والإخلاص، والزهد والقناعة ، والأخلاق والفضائل – دعوة إلى الإسلام ، ودليلا على صدقه وفضله وحياته وتأثيره ومقدرته ، على إنتاج الربانيين في كل عصر ، وعلى أن معينه لا ينضب ، لذلك كان سببا لدخول عدد كبير من اليهود والنصارى وغير المسلمين في الإسلام ، وإقبال عدد كبير هائل من المسلمين إلى تجديد الإيمان ، وإصلاح الحال، والإقلاع عن المعاصي والمحارم، وحياة الغفلة واللهو


    وفاتـــه رضي الله عنه:
    ظل الشيخ مثابراً على دعوته وجهاده وتربيته للنفوس ، حتى وافاه الأجل المحتوم سنة 561 هـ ، وقد جاوز التسعين ، وقد وصف ولده ، شرف الدين عيسى ، مرضه الذي مات فيه ، وكيف فارق الدنيا وانتقل إلى رحمة ربه .
    " لما مرض مرضه الذي مات فيه قال له ابنه عبد الوهاب : أوصني يا سيدي بما أعمل به بعدك ،
    فقال :
    " عليك بتقوى الله عز وجل ، ولا تخف أحداً سوى الله ، ولا ترج أحداً سوى الله ، وكل الحوائج إلى الله عز وجل ، ولا تعتمد إلا عليه، واطلبها جميعا منه ، ولا تثق بأحد غير الله عز وجل ، التوحيد التوحيد جماع الكل."

    وقال : إذا صح القلب مع الله عز وجل لا يخلو منه شيء ، ولا يخرج منه شيء.
    وقال : أنا لب بلا قشور.
    وقال لأولاده : ابعدوا من حولي ، فإني معكم بالظاهر، ومع غيركم بالباطن.
    وقال : قد حضر عندي غيركم فأوسعوا لهم ، وتأدبوا معهم ، ههنا رحمة عظيمة ، ولا تضيقوا عليهم المكان.
    وكان يقول : " وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، غفر الله لي ولكم ، وتاب الله على وعليكم ، بسم الله ، غير مودعين " قال ذلك يوما وليلة.
    وقال: " ويلكم ، أنا لا أبالي بشيء، ولا بملك ، وبملك الموت ، يا ملك الموت ، منح لنا من يتولانا سواك " وصاح صيحة عظيمة ، وذلك في اليوم الذي مات في عشيته.
    وأخبرني ولده عبد الرزاق ، وموسى ، أنه كان يرفع يديه ويمدهما ويقول : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، توبوا وادخلوا في الصف ، هو ذا أجيء إليكم .
    وكان يقول : أرفقوا ، ثم أتاه الحق وسكرة الموت.

    وقال – رضي الله عنه وأرضاه – :" بيني وبينكم وبين الخلق كلهم بعد ما بين السماء والأرض ، فلا تقيسوني بأحد ، ولا تقيسوا على أحد"
    ثم سأله ولده ، عبد العزيز ، عن ألمه وحاله ، فقال: لا يسألني أحد عن شيء، ها أنا أتقلب في علم الله عز وجل.

    وقد سأله ولده عن مرضه ، فقال له ، " أن مرضي لا يعلمه أحد ولا يعقله أحد : أنسي ، ولا جني ، ولا ملك وما ينقض علم الله بحكم الله ، الحكم يتغير والعلم لا يتغير ، الحكم ينسخ والعلم لا ينسخ ، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، أخبار الصفات تمر كما جاءت ".

    وسأله ولده عبد الجبار : ماذا يؤلمك من جسدك ؟ فقال: " جميع أعضائي تؤلمني إلا قلبي ، فما به ألم، فهو صحيح مع الله عز وجل ،

    ثم أتاه الموت ، فكان يقول: " استعنت بلا إله إلا الله سبحانه وتعالى ، وهو الحي الذي لا يموت ، ولا يخشى الفوت ، سبحان من تعزز بالقدرة وقهر العباد بالموت، لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، " ثم خرجت روحه الكريمة رضي الله عنه وأرضاه "








      الوقت/التاريخ الآن هو السبت أغسطس 19, 2017 2:56 am